محمد أبو زهرة

1874

زهرة التفاسير

عمل الشر ، فالجزاء لا زيادة فيه ، والإيمان الصادق الذي لا تسيطر عليه الأماني والأحلام هو الاتجاه إلى الله تعالى ، ولذا قال سبحانه : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ والاستفهام هنا بمعنى النفي ، فالمعنى لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ، والنفي هنا هو نفى الحسن ، ولكن المراد هو الحق ، والمعنى لا أحد يؤمن بحق إلا من أسلم وجهه لله . ولكن التعبير بأحسن يفيد بأن هذا هو الحق وهو الأمر الحسن في ذاته ، الذي لا تستحسن العقول السليمة سواه ، وتستقبح غيره . ومعنى أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أخلص نفسه ، وجعلها كلها لله تعالى ، لا يحب إلا له ، ولا يبغض إلا له ، ولا يطلب جاه غيره . والتعبير أَسْلَمَ وَجْهَهُ معناه أسلم ذاته ، فالوجه يعبر عنه بالذات ؛ لأن به المواجهة ، ولأنه أوضح أجزاء الجسم . وإن هذا الدين الخالص لوجهه تعالى لا يستقيم بمجرد النية ، بل لا بد أن يقترن مع ذلك بإحسان العمل وإتقانه ، ولذلك قال تعالى : وَهُوَ مُحْسِنٌ فالدين الحق الخالص يقتضى أمرين لا محالة : أحدهما إخلاص القلب والنية لله تعالى ، بحيث لا يكون عامرا إلا بذكر الله تعالى ، والثاني : إتقان العمل الصالح وإجادته ، فلا عمل يكون صالحا من غير إيمان ، ولا إخلاص يكون من غير إحسان العبادة والعمل الصالح . وقد ذكر سبحانه أن الإخلاص والعمل هو دين النبيين أجمعين ، ولذلك قال : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي أن هذه الملة هي الدين والمنهج ، أي كان في إخلاصه وإتقانه للعمل متبعا منهاج إبراهيم ، وإبراهيم أبو الأنبياء ، فمنهاجه هو منهاج كل الرسل ، واتباع ملته اتباع لكل الرسل . وكان حنيفا أي مائلا إلى الحق متجها إليه دائما ، منذ كان غلاما إلى أن بعثه الله تعالى نبيا مرسلا ، وقد قال لأبيه وقومه كما حكى القرآن الكريم : . . . إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) [ الزخرف ] .